ابن كثير

84

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

سورة الفرقان وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( 2 ) يقول تعالى حامدا لنفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم ، كما قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ [ الكهف : 1 - 2 ] الآية ، وقال هاهنا تَبارَكَ وهو تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ نزل فعل من التكرر والتكثر كقوله وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [ النساء : 136 ] لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة ، والقرآن نزل منجما مفرقا مفصلا آيات بعد آيات ، وأحكاما بعد أحكام ، وسورا بعد سور ، وهذا أشد وأبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه ، كما قال في أثناء هذه السورة وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [ الفرقان : 32 ] ولهذا سماه هاهنا الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال ، والغي والرشاد والحلال والحرام . وقوله عَلى عَبْدِهِ هذه صفة مدح وثناء لأنه أضافه إلى عبوديته ، كما وصفه بها في أشرف أحواله وهي ليلة الإسراء ، فقال سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [ الجن : 19 ] وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه ، فقال تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً . وقوله لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً أي إنما خصه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت : 42 ] الذي جعله فرقانا عظيما إنما خصه به ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء ويستقل على الغبراء . كما قال صلى اللّه عليه وسلم « بعثت إلى الأحمر والأسود » « 1 » وقال « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 3 ، والدارمي في السير باب 28 ، وأحمد في المسند 1 / 250 ، 301 ، 4 / 416 ، 5 / 145 ، 148 ، 162 .